على مدار أسبوع كامل أمضيته فى دول حوض النيل الجنوبى حيث بحيرة فيكتوريا الساحرة التى ينبع منها نيلنا الأبيض الأشد سحرًا، وبعيدًا عن رومانسيات النيل الأخاذة والملهمة لفت انتباهى أن هناك فرصا حقيقية قد ضاعت من مصر خلال العقود الماضية لأسباب معروفة لكنها تبدو غير مقنعة وليس لها تبرير على الإطلاق، ولفت انتباهى أكثر أن فرصا أكثر وأكبر مازالت أمامنا كدولة مصرية بحكومتها ومجتمعها المدنى وقطاعها الخاص، نعم هناك فرص قد ضاعت وانتهى الأمر ولا وقت للبكاء على اللبن المسكوب، لكن ما رأيته بأم عينى وما سمعته بأذانى يؤكد يقينا أن مصر والمصريين مرحب بهم فى كل الدول الإفريقية وعلى جميع المستويات.
هناك مشروعات عملاقة تنتظر أن يُقدم عليها الجانب المصرى بخبراته العريقة فى مجالات التشييد والبناء والزراعة وهما المجالان اللذان يشار إليهما على أنهما صنعة المصريين، فنحن – كما يروننا الأشقاء الأفارقة – بناءون عظام بنينا الهرم والمعابد والعواصم القديمة والحديثة، ونحن ايضا فلاحون ومزارعون أبدعنا فى الزراعة والرى عبر التاريخ.
كنت فى أوغندا ورأيت حجم المياه الهائل غير المستغل والذى يمكن أن يتحول إلى ثروة تفيد الأشقاء وتفيد المصريين، يمكننا زراعة ملايين الأفدنة على المياه الخضراء التى تتساقط من السماء مباشرة طول العام، يمكننا زراعة ملايين الأفدنة على المياه الزرقاء التى تصل إلى الأنهار، يمكننا تأسيس كيانات ضخمة للمصايد والأسماك حول البحيرة، يمكننا زراعة الفواكه الاستوائية وتصنيعها وتصديرها بالشراكة مع الأشقاء الأوغنديين والكينيين والتنزانيين والسودانيين جنوبا وشمالا الطيبين، يمكننا فعل كل ذلك شريطة الانتباه إلى ما يلى- الشعوب الإفريقية تحب مصر لكنها لا تحب الفهلوة التى يمارسها بعض المصريين فى التعامل مع الأفارقة- هناك منافسة شرسة بين دول عديدة للفوز بمشروعات عملاقة على أرض إفريقيا تحتاج منا إلى تجهز وترتيب وتنظيم ودراية وعلم وصدق والتزام ووضوح بعيدًا عن مبدأ «اخطف وأجري» – المهم هنا هو وجود جهة واحدة وحيدة تكون مسئولة عن ملف إفريقيا من ألفه إلى يائه، جهة أو شخص يكون مسئول مسئولية كاملة عن الملف سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ورياضيًا، شخص لا يغرق فى دوامة المسافات البينية بين الوزارات والأجهزة ذات الصلة، نحتاج تكاتفًا وتنسيقًا بين كل الجهات من أجل رسم صورة حقيقية براقة عن الدولة المصرية فى القارة الإفريقية.
عموما ما لا يدرك كله لا يترك كله، الرئيس السيسى انتبه مبكرًا إلى العمق الإستراتيجى لمصر فى أفريقيا، فكان اهتمامه بالقارة وشعوبها وزعمائها موضع تقدير واحترام من الجميع داخل القارة، أول زيارة لفخامته كانت إلى غينيا الاستوائية وأكبر عدد من اللقاءات والمقابلات الثنائية ومتعددة الأطراف كانت مع قادة أفارقة، الرئيس يتحرك ويصطحب معه كل الوزراء المعنيين وتتم دعوة رجال الأعمال والصناعة والمستثمرين المصريين لمصاحبة السيد الرئيس فى تلك الزيارات، طبعًا هناك مشروعات وأعمال لكنها أقل كثيرًا من الممكن والمتاح والمعروض والمطلوب، أناشد الدولة أن تضع ملف إفريقيا فى يد جهة قادرة وشخص قادر على ادارته بالشكل الذى يحقق أهداف الدولة المصرية فى تلك القارة المهمة التى ننتمى إليها، هنا لا أرمى أحدًا بالتقصير ولا انٌظر على أحد ولا أعرف سيمفونية الينبغيات العتيقة، فقط أحلم لبلادى بأن تكون فى مكانها ومكانتها، لأننى أرى بعينى المحبة للخير أن أبواب الخير مفتوحة فمن يسارع إلى الدخول منها.